محاكمة حسين حبري في السنغال: استقلال القضاء على قدم وساق في أفريقيا

20/07/2015
البيانات الصحفية
ar en

مقال الرأي نشر في صحيفة لوموند بقلم فلوران غيل، رئيس مكتب أفريقيا في الفدرالية، وأساني ديوما إنديايي، رئيس الرابطة السنغالية لحقوق الإنسان، والمحامي الأفريقي "ك"، ممثل الضحايا، ودوبيان أسينغار، الرئيس الشرفي للرابطة التشادية لحقوق الإنسان.

شهد ديسمبر/كانون الأول 1990 خلع الدكتاتور التشادي حسين حبري على يد رئيس أركانه، رئيس تشاد الحالي إدريس ديبي إتنو. وفر حبري إلى السنغال على متن الطائرة الرئاسية، ومعه 28 مليون دولار من أموال تشاد العامة. كان حبري قد قضى في السلطة ثمانية أعوام ملطخة بالدماء، شابها إعدام 40 ألف شخص بإجراءات موجزة، وعمليات إخفاء قسري. كما عانى من التعذيب ما يقرب من 200 ألف شخص، بأيدي الشرطة السرية المخيفة، أو إدارة التوثيق والأمن.

وبعد مرور 25 عاماً، سيوضع الدكتاتور المسن موضع المحاسبة من قبل ضحاياه، أمام محكمة مستقلة، وهي الغرف الأفريقية غير العادية، التي أقيمت في السنغال بدعم من الاتحاد الأفريقي. وقد تأسست المحكمة في فبراير/شباط 2013 عقب عقدين من إفلات حبري من العقاب. ولأول مرة في التاريخ تتولى دولة أفريقية محاكمة دكتاتور من دولة أفريقية أخرى، داخل أفريقيا، وهذه خطوة تاريخية لأفريقيا ولاستقلال القضاء فيها.

وقد بدأت الملحمة القانونية والإنسانية الاستثنائية في 1999، حينما جاء لمقابلتنا أوائل ضحايا نظام حبري. وكان رجل واحد على الأخص، هو سليمان غوينغوينغ، قد دفن في حديقته مئات الملفات، التي تسرد تفاصيل الرجال والنساء الذين تعرضوا للتعذيب والقتل بأيدي رجال إدارة التوثيق والأمن المروعة في سجون النظام السرية. وعملت هذه الملفات على كشف أسرار نظام مهووس بالشك، شديد التراتبية، ودموي، قام بتصفية آلاف الأشخاص بغض النظر عن ديانتهم أو عرقهم أو عمرهم، لمجرد الاحتفاظ بالسلطة.

وبعد التماس العدالة في تشاد وبلجيكا والسنغال، علق الضحايا آمالهم، بمعونة منظماتنا، على السنغال، البلد الذي آوى حسين حبري طوال عشرين عاماً، أن يكون قد بلغ من النضج الديمقراطي ما يسمح بمحاكمته. كما قام الاتحاد الأفريقي بدور لا يستهان به، إذ طالب السنغال في 2006 بمحاكمة حسين حبري "باسم أفريقيا". وفي يونيو/حزيران 2013، قدم الرئيس السنغالي الجديد، ماكي سول، وعده للفدرالية الدولية لحقوق الإنسان بأن يفعل هذا، والأهم أنه أوفى بوعده.

إن إحالة حسين حبري في 13 فبراير/شباط 2015 إلى غرفة الجنايات بالغرف الأفريقية غير العادية، لارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وأعمال تعذيب، تعد تكليلاً لتسعة عشر شهراً من التحقيقات القضائية، التي تمهد الطريق لمحاكمة عادلة تقرر عقدها بحضور الضحايا ومحاميهم اعتباراً من 20 يوليو/تموز 2015.

الرغبة في العدالة في القارة الأفريقية

ولا تنبع أهمية هذه المحاكمة من سعيها لتقديم حسين حبري إلى العدالة فقط، بل إن لها أيضاً أهمية رمزية هائلة لأفريقيا ككل. فالمحاكمة تمثل على نحو من الأنحاء استجابة لرغبة القارة في العدالة. وبالنسبة للسودان، وجنوب السودان، ومالي، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وزمبابوي، وغينيا الاستوائية، وإريتريا، ناهيك عن البلدان التي تعيث فيها بوكو حرام فساداً، تتسم الرسالة بالوضوح: لن تمر الجرائم بغير عقاب، وحتى بعد مرور عشرين عاماً، فإن أفريقيا لن تنسى ضحاياها. كما أن الأمر لم يعد يتعلق بالتدخل الخارجي أو عدالة ما بعد الاستعمار، وهي المقولات التي تثار كلما جرت محاكمة أحد المستبدين في أوروبا أو أمام محاكم دولية. فمحاكمات أمراء الحرب أو الطغاة أو مرتكبي الجرائم الجماعية تتم الآن أيضاً داخل أفريقيا.

ومع ذلك فإن السنغال، بتنظيمها لهذه المحاكمة، إنما تلبي التزاماتها الدولية المتعلقة باتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي تتضمن فقرة تلزم الدول الموقعة بمحاكمة مرتكبي جرائم التعذيب الموجودين على أراضيها، حتى إذا لم يكن الشخص المعني أو ضحاياه من مواطني الدولة، وارتكبت الجرائم في الخارج. إن هذا المبدأ، مبدأ "عالمية الاختصاص" أو بالأحرى امتداد الاختصاص إلى خارج التراب الوطني، قد لقي القبول من 42 دولة ضمن دول أفريقيا الـ45، عند توقيعها على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. والسنغال ببساطة هي أول دولة أفريقية تطبقه، وتفتح الباب لتطبيقه في الممارسة. علاوة على هذا فإن منظماتنا، وفريق العمل القانوني لدينا، قاموا برفع شكوى إضافية بموجب "عالمية الاختصاص" إلى السلطات القضائية السنغالية، بحق ضابط شرطة كونغولي تورط في اغتيال اثنين من العاملين الحقوقيين في كنشاسا، هما فلوريبير شيبييا وفيديل بازانا، في 2010. وقد قتل الاثنان بأمر من رئيس الشرطة آنذاك. وتخضع الشكوى حالياً للفحص من جانب نظام العدالة الجنائية في السنغال.

وبينما تتصدر السنغال الطريق فإن ثمة بلدان أخرى ترغب في وضع العدالة، والنضال لمكافحة الإفلات من العقاب في أخطر الجرائم، في قلب سياساتها. وهكذا فقد دُعي المجلس الوطني لجمهورية أفريقيا الوسطى، في 1 مارس/آذار 2015، إلى إنشاء محكمة جنائية متخصصة، على غرار الغرف الأفريقية غير العادية، تتكون من قضاة من أفريقيا الوسطى ومن بلدان أفريقية أخرى، ليكونوا مسؤولين عن محاكمة أمراء الحرب الذين اجتاحوا البلاد على مدار العامين السابقين.

وربما يكون 2015 عام الانتصارات الكبرى على الإفلات من العقاب في أفريقيا. وربما تعقب محاكمة حسين حبري في السنغال محاكمات اثنين من الرؤساء السابقين الذين استولوا على السلطة بالانقلاب ـ آيا سانوغو في مالي وداديس كامارا في غينيا. بل ربما نشهد محاكمة المسؤولين عن أزمة ما بعد الانتخابات في ساحل العاج. وحتى إذا لم تتم كل هذه المحاكمات في عامنا هذا، فإن 2015 سيظل دون شك علامة محورية في تاريخ استقلال القضاء في أفريقيا.

أقرأ المزيد
communique